مقالات

المخرج عبدالرحمن حلمي يكتب الارتفاع الجنوني للاسعار السبب والحل ؟؟

بقلم / عبدالرحمن حلمي

مما لا شك فيه اننا جميعا لاحظنا تسارع وتيرة ارتفاع أسعار الأغذية وسلع الاستهلاك اليومي على اثر جائحة كورونا بخطوات غير مسبوقة منذ انهيار الأسواق المالية العالمية أواسط ثمانينات القرن الماضي. في الولايات المتحدة التي تمتلك أكبر اقتصاد في العالم ارتفعت على سبيل المثال أسعار المستهلك خلال الأشهر القليلة الماضية بنسب عالية وزادت على 6 بالمائة خلال أكتوبر/ تشرين الأول 2021.

وياتي هنا السؤال !

هل ارتفاع الأسعار مسألة مؤقتة؟

اكد عدد من الخبراء ومراكز اتخاذ القرار أمثال مؤسسة “غولدمان ساكس” العالمية للخدمات المصرفية أن ارتفاع الأسعار الحالي الذي اصبحنا نلمسه أسبوعيا في أسواق احتياجاتنا اليومية مسألة مؤقتة . ويعتقد هؤلاء أن التغلب على جائحة كورنا سينهي هذه الظاهرة بحيث تنخفض الأسعار وينتهي التضخم الحالي . غير أن الوقائع والمعطيات تخالف هذا الرأي لأسباب من أبرزها نقص العرض من المواد الأولية والوسيطة في الأسواق. ويذهب خبراء أمثال الألماني هينريك مولر إلى حد القول أن “وقائع كثيرة تدل على أن عصر وفرة المواد الأولية ولّى إلى غير رجعة. وذكر مولر في تحليل على موقع “شبيغل أونلاين” تحت عنوان “الآن ندخل حقبة الندرة” أن الأشياء التي لا يمكن إنتاجها في المعامل كالمواد الأولية الطبيعية والأراضي والمياه العذبة الخ تصبح قليلة سنة بعد الأخرى”.

والجدير بالذكر أن قلة العرض مقابل زيادة الطلب تؤدي إلى ارتفاع الأسعار. وزاد من حدة هذا الارتفاع خلال جائحة كورونا انقطاع سلاسل التوريد وزيادة تكاليف النقل والتأمينات. ويزيد الطين بلة ارتفاع أسعار الغاز والنفط وحزمات الدعم المالي ومعدلات الفائدة المتدنية وسياسات التيسير الكمي للنقد في الدول الصناعية الغربية وخاصة في الولايات المتحدة التي تطبع المزيد من الدولارات غير المغطاة بالسلع. ولا ننسى أيضا الدور الذي تلعبه التوترات السياسية في ذلك، لاسيما بين المعسكر الغربي وكل من روسيا والصين.

ويصاحب هذه التوترات فرض عقوبات اقتصادية متبادلة والتوجه إلى تخزين السلع بشكل يؤدي إلى زيادة أسعارها. في هذا السياق يتوقع مسح أجراء الاحتياطي الفيدرالي/ البنك المركزي الأمريكي أن يصل معدل ارتفاع الأسعار لمختلف السلع إلى حوالي 6 بالمائة خلال العام المقبل 2022. وفي بلدان الاتحاد الأوروبي والصين تزداد المخاوف من نقص السلع وارتفاع أسعارها.

وقد وصل الأمر بالحكومة الصينية إلى دعوة مواطنيها أوائل شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري إلى تخزين المواد الغذائية تحسبا لحالة الطوارئ المحتملة في ظل جائحة كورونا وارتفاع أسعار الطاقة.

“أنا ومن بعدي الطوفان”

هل من حلول؟

هنا قد يقول قائل، لكن لا بد من مخرج؟ تعاني الدول العربية منفردة من عدم القدرة على حل هذه المشكلة حتى لو توفرت لدى البعض منها الموارد المالية. ويعود السبب في ذلك إلى أن حلها أو التخفيف من حدتها يتطلب تعاون عربي في مشاريع مشتركة تجمع بين الموارد البشرية والطبيعية والمالية اللازمة لإنجاح هذه المشاريع. ورغم أن مشاريع كهذه مثل مشروع “تحويل السودان إلى سلة غذاء للعالم العربي” طُرحت منذ عقود فإنها في معظمها فشلت أو ما تزال حبرا على ورق في أتون الصراعات والخلافات السياسية التي تشرذم العالم العربي بشكل يذكر بالحقبتين الاستعمارية الغربية والعثمانية.

وفي ظل هذا الوضع الذي يعني المزيد من الخراب الاقتصادي، لا يبقى أمام معظم الدول العربية التي ما تزال تعاني من بعض الاستقرار في الوقت الحاضر سوى استنهاض الموارد المحلية بشكل يحي أساليب العيش والسكن التي كانت سائدة قبل الطفرات النفطية والسياحية التي عرفناها خلال العقود الأربعة الماضية. وفيما عدا ذلك فإن هذه الدول ستشهد المزيد من الاضطرابات والاحتجاجات التي تعصف بالمزيد من الحكومات وسياساتها الاقتصادية.

زر الذهاب إلى الأعلى