أطفال مخيمات تندوف ونظرية الاستثمار الاستعماري عن بعد من ضحايا التهجير القسري إلى وقود للإرهاب

206

كتبت. الكاتبة جليلة خليفه مفتوح

متابعة د.عبدالله مباشر رومانيا

كان مصير آلاف الأطفال الصحراويين المهجرين قسرا من مخيمات تندوف فوق الأرض الجزائرية نحو المخيمات الكوبية، بعد تهجير أسرهم نفسها في البداية من منطقة الصحراء المغربية، نحو تندوف محور طاولة مستديرة للنقاش في ضوء مبادئ فانكوفر، عبر لقاء افتراضي نظمه مركز التفكير بوليسنس في أوتاوا. وقد عقد اللقاء احتفاء باليوم العالمي لمناهضة تجنيد الأطفال (12 فبراير)، خاصة أن مبادئ فانكوفر بشأن حفظ السلام، ومنع تجنيد واستخدام الأطفال كجنود تهدف في الأساس، إلى تحسين وضعية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة. أي إعطاء الأهمية والأولوية في كل عمليات السلام لحماية الأطفال المعدودة أصلا، من أهم المحاور لولايات جميع بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام.
وقد أدلت الناشطة الحقوقية وعضوة المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية سعداني ماء العينين، بشهادة مؤثرة عن تهجيرها قسرا رفقة أطفال آخرين وهي في التاسعة من عمرها إلى كوبا، حيث ظلت منقطعة عن أسرتها لمدة تجاوزت ثمانية عشر عاما. فجاءت شهادتها تسليطا للضوء على الانتهاكات الممنهجة، لحقوق الإنسان في مخيمات تندوف.
ونزل كايل ماثيوز المدير العام لمعهد مونتريال لدراسات الإبادة الجماعية وحقوق الإنسان في جامعة كونكورديا، بثقل شهادته الأكثر دراسة وحيادية، حين أكد أن التحقيقات التي قامت بها منظمته حول مخيمات تندوف فضحت العديد من الفظائع التي ارتكبت ضد حقوق الإنسان، خاصة في حق الأطفال المجندين في المخيمات ذاتها.
كما أشار الأستاذ عبد القادر الفيلالي رئيس مجموعة التفكير “بوليسنس”، إلى أن الأطفال الذين يزيد عددهم عن ثمانية آلاف، قد تعرضوا لعمليات التهجير القسري والتدريب العسكري والإيديولوجي منذ سنة 1982، فأصبحوا يمثلون حالة فريدة بالنسبة للباحثين. كما أكد ألا منظمة دولية للدفاع عن حقوق الإنسان، ولا الدولة الجزائرية نفسها الحاضنة لميليشيات البوليساريو بما فيها المجتمع المدني الجزائري أسهموا، في إعادة تأهيل هؤلاء الأطفال، الذين أصبحوا معرضين للانخراط داخل التنظيمات الإرهابية الناشطة داخل الصحراء الجزائرية وفي مالي، بهدف القيام بأعمال تخريبية في إسبانيا خاصة وفرنسا.
وضم اللقاء أيضا مشاركة شيلي ويتمان المديرة العامة لمعهد “دالير” للأطفال والسلم والأمن، في هاليفاكس بنوفا سكوشا (شرق كندا). وأيضا إليزابيت مايرز المحامية وأستاذة القانون الدولي، في الجامعة الأمريكية بواشنطن.
وبعدها أجمع المشاركون على ضرورة تحرك المجتمع الدولي، لوضع حد للجرائم ضد الأطفال والإنسانية في مخيمات تندوف. وإيلاء الأهمية لهذه القضية الاجتماعية والحقوقية، التي نتجت عن صراع حدودي من جهة وتوسعي من جهات أخرى معينة.
فقضية الصحراء المفتعلة وجعل البوليساريو صنيعة دول الجوار سكينا لتقسيم المغرب مرة أخرى وقضم أطرافه الجنوبية، بعد ابتلاع مناطق عديدة بما فيها تندوف أيام الاستعمارين الفرنسي والإسباني، بعد الاستحواذ على أهم ثغوره الشمالية من طرف إسبانيا لن يعود بالنفع أبدا على الشعوب المجاورة بخير، وخاصة شعوب الأشقاء الذين يأملون، مثل جميع الشعوب الحرة في مستقبل مضيء لأنفسهم وأسرهم وأوطانهم.
ولأن مسألة الصحراء معروفة اليوم بتفاصيلها، فما يوجع القلوب أكثر هو استعمال الأطفال كوقود للفوضى من طرف كل المتدخلين سلبا في الموضوع الشائك. وأول خيوط الوجع تجمعت في حكاية تهجيرهم نحو كوبا بعد منذ نعومة أظافرهم، في مهمة تخدم نظرية الاستثمار الاستعماري عن بعد. وهي نظرية تم توظيفها من كل جانب عبر الحدود المجاورة وما وراءها، كل حسب مطامعه ومصالحه ونواياه السياسية.
فقد نجحت القبعات السوداء وكتائب البوليساريو المشكلة من قلب الصحراء والجزائر، وموريتانيا ومالي والنيجر وتشاد الهارب أغلبهم من أضرار الجفاف، في إخراج 3500 صحراوي وصحراوية من بين عدد ناهز 74000 سنة 1974 حسب الإحصاء الإسباني حينها. وحشر نصفهم في المخيمات التي حملت أسماء مناطق صحراوية جهزت لهم، في ولاية تندوف تحت ظروف قاسية بكل المقاييس. لكن وظفوا إعلاميا كسلاح ضخم لجذب التعاطف الخارجي، بادعاء هروب هؤلاء خوفا من بطش الجيش المغربي، وفي العمق كانوا أداة لجلب الإعانات الدولية، التي مع الوقت فضح دوليا التلاعب بمنابعها ومصباتها.
والوجع الإنساني المضاعف هنا هو تهجير أبناء هؤلاء المهجرين قسرا، لأنه بعد مأساة التموين والصحة ستخلق مسألة غاية في التعقيد. وستلخص في وضعية الأطفال التعليمية وحصر مدى فائدتهم للمجتمع المشتعل، بعد أن حكمت عليهم الظروف بالعيش بين أجوائه الكارثية. وفي قرار مدبر من طرف رؤوس العملية كلها فتحت الجزائر مدارسها للأطفال الصحراويين، باستثناء تلك التابعة لولايتي تندوف وبسكرة العسكريتين، التي ظلت ممنوعة على أطفال المهجرين قسرا. ولأن ولوج هذه المناطق تلزمها تصاريح خاصة، من طرف الأمن العسكري الجزائري وقيادات البوليساريو لولوجهما. وقد ساهمت الدولة الليبية السابقة في استقبال العديد من الأطفال والشباب الصحراويين في مدارسها، أثناء المراحل الأولى للصراع. لكن مع مرور الوقت وتحت ضغط الخلاف الليبي الجزائري، حول تسيير ملف الصراع مع المغرب وخاصة اختلاف رؤيتهما المتناقضة لمستقبل الصحراء بصدام المصالح. اضطرت الحكومتان آنذاك لإدخال اليسار الإسباني على الخط الساخن، وبالخصوص الحزب الشيوعي والكونفدرالية العامة للشغل الاسبانيين، تحت ستار التركيز على جوانب متعددة الأهمية، منها الاجتماعي والثقافي والتعليمي والإيديولوجي.
وهنا يظهر جليا هدف اليسار الإسباني، الذي يتمثل في إيجاد مدخل لإسبانيا إلى عمق الأزمة، التي تشكلت في موضوع مستقبل الصحراء. لأن النجاح في تكوين طبقة اجتماعية صحراوية مؤدلجة على النمط الإسباني اليساري سلوكا وتفكيرا، هو استثمار استعماري على المدى البعيد في طفولة لا تملك حرية الاختيار وقابلة لأي تشكيل. وهنا تقدم اليسار الإسباني بمشروعه المدروس إلى الجزائر تمحور، حول ضرورة ترحيل الأطفال ما بين تسع سنوات واثنا عشر عام في طائرات جزائرية وإسبانية، نحو إسبانيا ثم كوبا دون موافقة أولياء أمورهم. لتكوين شامل وتأطير سيساهم أكيد، في نجاح مساعي من لديهم مصلحة طبعا منذ البداية في خلق القضية برمتها.
وسيجلى آلاف الأطفال الصحراويين عبر الجو كما قرر اليسار الإسباني، وسيدوم النفي إلى كوبا من عشر سنوات إلى سبعة عشر عاما، في اختطاف جماعي متواصل تحت أنظار الأمم المتحدة واليونيسيف والمندوبية السامية للاجئين بذريعة التعليم. إلى أن وصلت أعداد بعضهم إلى ما فوق خمسة آلاف طفل وطفلة. لازالوا مبعدين في أعماق الجزر الكوبية النائية الفقيرة، ولازالوا يمثلون ورقة ضغط ومساومة في أيدي المليشيات الانفصالية، ضد أفراد عوائلهم المحتجزين في تندوف. مما فرض على هذه العوائل المقهورة عدم سلك سبل الهروب، أو التفكير خارج سرب المسيرين لملف الانفصال الذين جعلوا من الأسر المحتجة، على انتزاع أطفالها نحو دول أخرى عبرة بكل الطرق المختلفة، من الإخفاء القسري إلى التعذيب والسجون.
وتبدأ رحلة جحيم الأطفال المهجرين، بالسفر لأكثر من خمسة عشر ساعة جوا، وعند وصولهم تسحب منهم جوازات السفر الخاصة التي منحتها لهم الدولة الجزائرية، وكل الأوراق التي يمكنها أن تشمل عناوين اسرهم وأرقام هواتف معارفهم، من طرف ممثلية الجبهة الانفصالية في هافانا المدعومة بالمخابرات الكوبية والجزائرية. واستقاء من شهادات الهاربين والهاربات من جحيم المعسكرات الكوبية، فالأطفال يقسمون إلى ثلاث فرق توزع على جزر ومدن مختلفة، منها على سبيل العد لا الحصر مدينة كامكيز جنوب هافانا ومدينة سانتا كلير. ثم عند وصولهم يحشرون في معسكرات شبه عسكرية تحت إشراف ضباط كوبيين مختصين، في مجال الاستعلامات والحرب النفسية، عبر حشو الأدمغة بمبادئ الثورة الكوبية ومسيرتها النضالية ضد الإمبريالية العالمية. بما تضمه مناهجهم التعليمية من تعليم اللغة الإسبانية والإيديولوجية الماركسية اللينينية، والتكوين العسكري الذي يبدأ بالتدريب على استعمال الأسلحة الخفيفة. يليها طبعا زرع الألغام وسياقة الشاحنات العسكرية، والتفنن في إتقان حرب العصابات داخل المدن وبين الأحراش، وتقنيات التواصل الاستخباراتي.
ولأن التكوين العسكري هناك لا يميز بين ذكر وأنثى، كما لا يدخل في قسوة برامجه ما يعانيه الأسر التي هجر أبناؤها، من فظائع قطيعة الأرحام دون أي خبر يذكر، عن مصير فلذات أكبادهم الذين أصبحوا يعتبرون أبناء الثورة.

أجمل الواحات في العالم

لكن أفظع ما يجري بعد وأثناء تكوين هؤلاء الأطفال، هو إدخالهم مجال ما يسمونه المجهود الاقتصادي. فيسخر الأطفال والفتية بطرق وحشية تحت مبدأ التفاعل المباشر مع العمل، في مزارع قصب السكر وأوراق التبغ الخاصة بالسيجار الكوبي الشهير. ولهذا ستحصل فئة قليلة منهم مقارنة بأعدادهم الكبيرة على شهادة الباكالوريا، فسمح لهم بمغادرة المعسكرات للتسجيل في جامعات محددة من بينها جامعة بنا دو ريو. أو يوجهون نحو التكوين المهني لضخ دماء جديدة في بنية الاقتصاد الكوبي، تحت إشراف الحكومة الكوبية. بينما أولئك الذين تجاوزوا اثنين وعشرين عاما، دون الحصول على شواهد توهلهم لولوج الجامعات، فيرحلون في عودة جهنمية نحو تندوف لتجييشهم بالكامل، تحت إشراف الأمن الجزائري المختص بالمجال. وهنا يواجهون محنة الهوية بكل تفاصيلها المأساوية، من صعوبة الاندماج لفوارق العقليات وجرح الغربة الأزلية، إلى مشاعر الاحتجاج الأخرس المتأججة بغليان مقفل على الفوارق الأكثر سعة، بين بذخ الزعماء والموالين وبين فقر حد المجاعة والأوبئة داخل أرجاء المخيمات، عكس كل الأدبيات الماركسية، التي تشبعت ببريقها عقولهم في المنفى.
ولا يجب أن ننسى أن أوراقهم الثبوتية الجديدة تصادر منهم مرة أخرى، من طرف قيادة الجبهة الانفصالية، كي لا يفكروا يوما في الهرب من جحيم المخيمات، نحو موريتانيا وإسبانيا قصد العمل والتحرر. أو نحو المغرب ليستفيدوا من قانون العفو العام، الذي لازال قائما إلى يومنا هذا.
فنجد حسب المختصين والباحثين في المجال، أن من بين مائتي طالب وطالبة مسجلين في كليات طب وصيدلة، لم يعد منهم أكثر من عشرين إلى تندوف. بينما توزع البقية في إسبانيا وأمريكا اللاتينية، أو نجحوا في العودة إلى المغرب. وحسب شهادات بعض الضحايا الناجين، فالعديد من العائدين يرزحون تحت سراديب المعتقلات، لرفضهم التجنيد ولمعارضتهم أيا يكن نوعها. أو يعانون من عقد وأمراض نفسية نتيجة ما تعرضوا له وما يزالون، من عنف وتحرش جنسي واغتصاب، خاصة الفتيات المعرضات باستمرار، للاغتصاب الجماعي في معظم الحالات.
ففي سنة 2004 تدخلت عدة منظمات حقوقية دولية ولو متأخرة نوعا ما، في هذا الموضوع الحقوقي الشائك، ونوقش موضوع التهجير القسري لأطفال الصحراء نحو كوبا. كما عبرت عدة هيئات عن قلقها من أخطار وضع لا قانوني وغير إنساني لمراحل هجرتهم القسرية. وطالب الجميع الجبهة الانفصالية بالتوضيح في شجاعة نادرة، لبعض هذه الهيئات الحقوقية غير الحكومية التي تعنى بالأطفال عبر العالم. وأخرى غيرها تهتم بكرامة الإنسان وحقه في الاختيار، ما يهب العائلات المهجرة الأولى نفسها حق تقرير البقاء داخل المخيمات، أو العودة إلى المغرب حيث الوطن الأم.
وهناك شهادات استثمرت في هذه القضية، منها شهادة الآنسة فاطمة منصور التي اختطفت من الداخلة مع عائلتها وعمرها تسع سنوات، فأمضت عشر سنوات من حياتها بكوبا قبل أن تصبح اليوم مناضلة حقوقية تقيم في جنيف. إضافة إلى الآنسة سعداني ماء العينين، التي هي أصلا من عائلة دينية معروفة في أرجاء الصحراء الكبرى. قتل أبوها تحت التعذيب أمام عينيها بتهمة العمالة للمغرب، وكانت لازالت طفلة لا يتجاوز عمرها ست سنوات. وقد عادت إلى مدينة العيون بعد ستة عشر عاما من الغربة القسرية، فأصبحت الآن مناضلة حقوقية وترأس جمعية الأطفال الصحراويين المهجرين إلى كوبا
(Aociatione Dژportationes)
إنها جريمة بامتياز ضد الإنسانية لا يسعنا الخوض في كل تفاصيلها، وقد ارتكبتها جماعيا عدة دول وأحزاب يسارية عالمية، تحت شعارات وعناوين مختلفة. واليوم بعد تقدم المغرب بمشروع الحكم الذاتي حقنا للدماء، وتضميدا لجراح الأرحام عند حواجز الحدود المقفلة منذ سنوات. وبعد اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء للمرجعية التاريخية بتأييد العديد من الدول الصديقة، وقبولا لمبادرة المغرب السلمية الأكثر قابلية للتطبيق، بعد مضي ما يقارب الخمسة عقود من صراع استنزافي للجميع، لا يمكن سوى احتضان الأمل في مستقبل أكثر تحضرا، للأجيال القادمة من ضحايا النزاع المفتعل. وأكثر رفاهية ونماء لدول المغرب الكبير وشمال إفريقيا.
_ جليلة خليفه مفتوح _

قد يعجبك ايضآ
تعليقات
Loading...