وشوشات مأزومة


0 114

بقلم : ا. د/غانم سعيد
عميد كلية الإعلام بجامعة الأزهر
رحم الله الطيار أشرف أبو اليسر، فقد كان طيارا ماهرا، يعشق التنقل بين مطارات العالم، كما تعشق النسور التحليق فوق قمم الجبال وقطع المسافات بين الدول والقارات، وكان – رحمه الله – مشهورا بتواضعه وحسن أخلاقه، وفي كل رحلة له كان يصر على أن يترك قُمرة القيادة لمساعده بعض الوقت ليقوم بنفسه بالتجول داخل ممرات الطائرة لتحية الركاب، وممازحتهم ببعض النكات ليبعث في نفوسهم الطمأنينة، ويبث فيهم البهجة والسعادة،
وذاع اسم الكابتن أشرف أبو الفرج وطوفت شهرته بين كل الركاب الذين تعودوا أن يسافروا على رحلات شركة الطيران التي يعمل بها، حتى أصبحت الشركة بفضل سمعتة تحقق أرباحا تفوق أي شركات طيران أخرى في بلده، وصار كل الركاب يتمنون أن تكون رحلتهم مع هذا الطيار الماهر الخلوق.
وفي إحدى رحلاته المتجهة إلى دولة خليجية ركب معه ممثل اشتهر بأداء أدوار الشر، وأعمال العنف والبلطجة، وللأسف أصبح بهذه الأدوار الهابطة نجما له شعبية طاغية بين كثير من الشباب الذين عدوه قدوة لهم، وأخذوا يقلدونه تقليدا أعمى في حياتهم، حتى صار ظاهرة سيئة في المجتمع استدعت علماء النفس، والاجتماع، والدين أن يهبوا ليطالبوا بمنع هذا الممثل من القيام بمثل هذه الأدوار التي تهدد الأمن والسلم المجتمعي، من خلال ترويجه لمظاهر الشغب والعنف والبلطجة والتي أدت بالفعل إلى جرائم قتل وترويع للأمن بين طلاب المدارس والجامعات بسب تقليدهم لأسلوبه وطريقته في أدوار الشر التي يقوم بها في أفلامه أو مسلسلاته التي لا يتقن سواها.
وبينما كان الكابتن يمر بين الركاب كعادته، لفت نظره وجود هذا الممثل بين الركاب فتعارفا وتبادلا حوار سريعا عن الفن وعن الأدوار التي يستعد لها الممثل في الفترة القادمة، عاد على إثره الكابتن إلى مقعده في قُمرة الطائرة، ولكنه بعد قليل فوجئ بالممثل يدخل عليه قمرة الطائرة، ويطلب منه طلبا غريبا لم يسبق أن طلبه منه أي راكب قبل ذلك، إنه يريد أن يتركه ليجلس على مقعد الطيار، ويلتقط له بعض الصور.
حاول الكابتن أن يقنعه بأن هذا فيه مخالفة جسيمة قد تعرضه للفصل من الشركة، كما أن مجرد دخوله قمرة الطائرة تحت أي سبب من الأسباب يعرضه للمحاسبة القانونية، وبعد أخذ ورد في الحوار بينهما، ووعد قاطع من الممثل بكل الأيمان المغلظة بأن هذه الصور لن يطلع عليها أحد إلا أولاده وزوجه فقط، فهو يريد أن يفتخر بينهم بأنه ركب الطائرة وجلس في قمرتها، وعلى مقعد الطيار، وتحت الإلحاح الشديد سمح له الكابتن بالتقاط عدد من الصور.
وما كادت الطائرة تحط بعجلاتها على أرض المطار حتى كانت صور الممثل يتم تداولها على كل صفحات ومواقع السوشيال ميديا وتتناقلها وكالات الأنباء العالمية باعتباره حدثا فريدا غير مسبوق.
وما هي إلا دقائق حتى جاءت للطيار مكالمة هاتفية من رئيس الشركة يطلب منه أن يسلم مسئولية الطائرة إلى مساعده وأن يعود فورا، ويعتبر نفسه مفصولا من العمل بعد ما أضر بسمعة الشركة بهذا التصرف المشين.
وقع القرار على الكابتن أشرف كالصاعقة فإنه بعد ستة وثلاثين عاما من التحليق في الفضاء، طائرا محلقا بين كل دول ومطارات العالم، وبعد كل هذا الذي حققه من ساعات طيران تصنفه كواحد من أفضل طياري العالم قد أصبح الآن قعيد البيت، مقصوص الجناحين ممنوعا من الطيران من خلال أي شركة طيران في العالم، لأن الخطأ الذي وقع فيه يمنع أي شركة طيران في العالم من التعاقد معه.
وعاد إلى وكنه هزيما مكسورا، وذهب إلى بيته ليجد الحسرة ودموع الحزن بادية في عيون أبنائه وزوجته، الذين لن يروا أباهم يذهب مرة أخرى إلى عمله الذي يعشقه، ولن يسمعوا منه حكاياته ومشاهداته قي كل رحلة كان يقوم بها.
ومرت الأيام الأولى على الكابتن أشرف بطيئة ثقيلة، قلبه ينتحب من الداخل أسفا وحزنا على ضياع مستقبله وتاريخه بسبب خطأ أراد من خلاله أن يجبر بخاطر إنسان استغل فيه حياءه ليحقق رغبة طائشة لا تقل في خطورتها عن خطورة تمثيله لأدوار الشغب والبلطجة في أفلامه ومسلسلاته.
أغلق الكابتن وأسرته كل هواتفهم حتى لا يتلقوا مكالمات المواساة والإشفاق، وبعد أسبوع فتح هاتفه ليجد سيلا من الرسائل التي تخبره بأن الآلاف من أصدقائه ومعارفه قد اتصلوا به، وكان كل ما يشغله من هذه الرسائل أن يرى رسالة اعتذار من هذا الممثل الذي ضيع مستقبله، ودمر حياته وحياة أسرته، ومسح تاريخا أبيض ناصعا كان يفتخر به ويعتز، ولكن للأسف لم يجد شيئا مما كان يتوقع.
وضجت وسائل الإعلام المختلفة في الحديث عن الواقعة وما حدث للطيار بسببها، وحاولت أن تتواصل مع الممثل بطل الواقعة ولكنه كان يمتنع عن الحديث حتى اضطر تحت الضغط الإعلامي من التواصل مع إعلامي مشهور أخبره بحجم المصيبة التي تعرض لها الطيار بسببه ، وكان يبدو من حوار الممثل أنه غير عابئ بما حدث، وأن أعماله الكثيرة شغلته عن متابعة الموضوع مع الكابتن أشرف، ووعد في النهاية أنه سيعوضه بمبلغ من المال.
وظل الطيار ينتظر المكالمة من الممثل التي تفسر له أسباب عدم وفائه بوعده، وحنثه في قسمه، ونشره للصور التي تسببت في فصله من عمله، وطمس تاريخه الحافل الذي كان يعتز به ويفتخر، ولكن هيهات أن تصل تلك الرسالة من شخص أخذ شهرته وحقق مجده من تمثيل أدوار الشر، والبلطجة؟؟
مما اضطر الطيار أن يرفع قضية يرد بها جزءا من اعتباره، ويدفع عن أسرته شيئا من الأذى المعنوي الذي أصابها بسبب تلك الحادثة، وبينما كانت القضية يتم تداولها في المحكمة أخذ الطائر المحلق ينزوي داخل حجرته، ويعتزل حياة الناس، وتداعت عليه الأمراض الخطيرة، فتحولت قوته إلى ضعف، وعزيمته إلى وهن وانكسار، وسكن المستشفيات، وبعد ما يزيد عن عام يصدر القضاء حكمه بتعويض الكابتن أشرف ببعض الملايين تعويضا له عن الضرر الذي أصابه، وبينما كان الجميع ينتظر إعلان الممثل انصياعه للحكم، مع تقديم الاعتذار للطيار وأسرته، جاء الرد في صورة سخرية واستهزاء، فقد شوهد الممثل على صفحات التواصل الاجتماعي وهو ينثر أوراقا من بواكي الدولارات في الهواء لتسقط في مياه حمام السباحة الذي كان يتجول فيه بمركبه داخل فلته، وكأنه يخرج لسانه للجميع بأن الفلوس عنده لاتمثل قيمة، وأنه يستطيع من خلالها أن يخرب بيوتا ويشرد أسرا، ويهدم تقاليد مجتمع ويفسد أخلاق أمة.
وبينما الجميع في دهشة مما يشاهدون، وفي حيرة من واقع مؤلم مهين.
يأتي الخبر الفاجع، لقد مات الكابتن أشرف أبو الفرج!!! وكأنه بموته يعلن رفضه لأي تعويض مهما كان قدره، بعدما قتله الممثل مرتين، الأولى: معنوية، والأخرى: حقيقية.
ولم يكن الكابتن أشرف وحده الذي قتل غدرا على يد هذا الممثل الذي لا يجيد إلا أدوار الشر والبلطجة، بل إن هناك جيلا بكامله من شبابنا يقتل نفسيا ومعنويا على يد هذا الممثل وأمثاله ممن ينشرون في مجتمعنا قيم الشر والفساد والإفساد.
وإذا لم نتدارك على عجل ذلك الخطر فإننا سنسمع ونرى آلاف القتلى من أمثال الطيار أشرف أبو الفرج.


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.