هل الماء النازل بسبب تحرك الشهوة يبطل الصيام؟ الإفتاء تجيب


0 132


كتبت : مني فاروق

هل الماء النازل من المرأة بسبب تحرك الشهوة يبطل الصيام؟ من الأسئلة الحائرة بين كثير من السيدات، وهناك أمور تفسد الصيام، منها الإنزال بشهوة.

وحول هذا الشأن؛ ورد سؤال إلى دار الإفتاء المصرية، تقول خلاله السائلة: «احتضنني زوجي وقبلني في نهار رمضان قبل خروجه من البيت، وعندما خرج؛ أخذت أستعد للصلاة، فوجدت بعض الماء في ملابسي، فهل أكون قد أفطرت هذا اليوم أم لا؟».

وقال الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية،  إنه إذا كان ما وجدته السائلة في ملابسها من بللٍ ماءً رقيقًا أصفر، وأحست بقوة الشهوة واللذة وقت خروجه، وبالفتور بعده، فهو منيٌّ، وفي هذه الحالة إن كان نزوله بسبب الفعل الوارد بالسؤال، فإن صومها يبطل ويجب عليها القضاء باتفاق الفقهاء، وأما إذا كان الماء أبيضَ رقيقًا فهو مذي، وفي هذه الحالة لا يبطل صومها على رأي بعض الفقهاء، ومع ذلك يستحب لها القضاء بعد رمضان خروجًا من الخلاف.

وأكد مفتي الجمهورية، أن الصوم أحد أركان الدين الإسلامي الخمسة، وقد فرض الله- تعالى- على المسلمين صيام شهر رمضان من كل عام، وكانت فرضية صيام شهر رمضان، خلال شعبان، في السنة الثانية للهجرة؛ فيجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر، ذكرًا كان أو أنثى، أن يصوم شهر رمضان، والأصل في فرضيته من القرآن الكريم، قوله- تعالى-: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (البقرة: 183).

واستطرد: ومن السنة ما رواه الإمام البخاري، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ- صلى الله عليه وآله وسلم-: «بُنِي الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»، وقد أجمعت الأمة الإسلامية على فرضيته؛ قال العلامة الروياني الشافعي في “بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي”: [الأصل في وجوب الصيام: الكتاب، والسنة، والإجماع… وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه].

وعرف الصوم في اللغة أنه: هو الإمساك مطلقًا عن الطعام والشراب والكلام والنكاح والسير، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى حكاية عن السيدة مريم عليها السلام: «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» [مريم: 26]؛ أي: إمساكًا وسكوتًا عن الكلام.

وواصل: «وأما في الشرع فقد عرَّفه العلامة القرافي المالكي في “الذخيرة” بأنه: «الإمساك عن شهوتي الفم والفرج، أو ما يقوم مقامهما؛ مخالفةً للهوى في طاعة المولى في جميع أجزاء النهار بنية قبل الفجر أو معه إن أمكن فيما عدا زمن الحيض والنفاس وأيام الأعياد».

وأكمل: وما كان مبطلًا للصيام في حق الرجل؛ أبطل الصيام أيضًا في حق المرأة؛ فلم يفرق الفقهاء عند ذكرهم لما يبطل الصيام بين الرجل والمرأة في شيء، بل صرح بعضهم بأن المرأة كالرجل سواء بسواء؛ قال العلامة أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني الحنفي في “الأصل” المعروف بـ”المبسوط”: «ولا يكون على المرأة قضاء إلا أن يكون منها مثل ما كان من الرجل».

وشدد مفتي الجمهورية، على أنه يجب لصحة الصيام أن يمسك الصائم ذكرًا كان أو أنثى، عن شهوتي الفم والفرج، منوهًا بأن شهوة الفرج تحصل بإنزال المني الذي هو: ماء دافق يخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة، إلا أن المنيَّ عند المرأة يختلف عن ما هو عليه عند الرجل؛ فمنيُّ الرجل: ماء أبيض ثخين دافق ذو دفعات يخرج بشهوة، ويعقب خروجه فتور وانكسار للذكر، ورائحته عند الخروج رائحة طلع النخل، ويقرب من رائحة الطلع رائحة العجين، وإذا يبس فرائحته كالبيض، أما منيُّ المرأة: فماء أصفر رقيق.

ونبه أنه من المقرر أن الاستمناء- أي: إنزال المنيِّ باختيار الصائم ولو بلا جماع؛ وذلك كالاستمناء بالكف، أو بالتبطين والتفخيذ، أو باللمس والتقبيل ونحوهما- يبطل الصيام، وذلك باتفاق الفقهاء، فيرى الحنفية والشافعية والحنابلة أن من فعل شيئًا من ذلك، فأمنى؛ وجب عليه القضاء فقط؛ قال العلامة الكاساني الحنفي في “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: «ولو جامع امرأته فيما دون الفرج فأنزل، أو باشرها، أو قبلها، أو لمسها بشهوة فأنزل يفسد صومه، وعليه القضاء ولا كفارة عليه. وكذا إذا فعل ذلك فأنزلت المرأة».

ونقل قول العلامة الخطيب الشربيني في “مغني المحتاج إلى معرفة معاني المنهاج”: «(و) الإمساك (عن الاستمناء)، وهو إخراج المنيِّ بغير جماع محرَّمًا كأن أخرجه بيده، أو غير محرَّم كإخراجه بيد زوجته أو أمته (فيفطر به)؛ لأن الإيلاج من غير إنزال مفطر، فالإنزال بنوع شهوة أولى، (وكذا خروج المنيِّ) يفطر به إذا كان «بلمس وقبلة ومضاجعة» بلا حائل؛ لأنه إنزال بمباشرة».

وعرض قول العلامة المرداوي الحنبلي في “الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف”: «قوله: (أو استمنى)، فسد صومه. يعني: إذا استمنى فأمنى، وهذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقيل: لا يفسد. قوله: (أو قبَّل أو لمس فأمنى)، فسد صومه. هذا المذهب، وعليه الأصحاب].

وأردف: ويرى المالكية أنه يكون عليه القضاء والكفارة إذا تعمّد ذلك؛ قال العلامة صالح الآبي الأزهري في “الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني”: «وإن تعمد ذلك؛ أي: المباشرة والقبلة، حتى أمنى فعليه مع القضاء الكفارة على المشهور».

وأكمل: وخرج بالاستمناء الإمناء بغير اختياره؛ كما لو احتلم، أو أنزل بغير شهوة ولا مباشرة، ولا فكر أو نظر؛ فلا يبطل صومه باتفاق الفقهاء، قال العلامة الحصكفي في “الدر المختار في شرح تنوير الأبصار” مع “حاشية ابن عابدين” (2/ 395-396، 400، ط. دار الفكر): [(أو قبّل) ولم ينزل، (أو احتلم، أو أنزل بنظر) ولو إلى فرجها مرارًا، (أو بفكر) وإن طال… (لم يفطر)].

واستند إلى قول العلامة محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي في “حاشية الدسوقي على الشرح الكبير” : (قوله: لا بلا لذة) أي: لا إن خرج بلا لذة أصلًا، أو خرج بلذة غير معتادة؛ فلا يفسد صومه]، وقال العلامة ابن الرفعة الشافعي في “كفاية النبيه في شرح التنبيه”: [وتقييد الشيخ الفطر بخروج المني بما إذا كان سببه المباشرة فيما دون الفرج أو الاستمناء يفهمك أنه لو خرج بغير هذين السببين لا يفطر به، سواء كان على وجه الشبق أو عقيب النظر بالشهوة مرة واحدة أو مرارًا، وإن كان بتكرار النظر آثما كما صرح به الأصحاب. وكذا يفهم أنه لو كان ذكره لعارض فأنزل: أنه لا يفطر].

واستطرد: وقال العلامة مصطفى الرحيباني الدمشقي الحنبلي في “مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى” : [(أو فكّر فأنزل) لم يفسد صومه؛ لأنه بغير مباشرة ولا نظر، أشبه الاحتلام والفكرة الغالبة، ولا يصح قياسه على المباشرة والنظر؛ لأنه دونهما، (أو أنزل) نهارًا (من وطء ليلٍ) لم يفطر؛ لأنه لم يتسبب إليه في النهار، (أو) أنزل (ليلًا من مباشرته نهارًا، أو احتلم)، أو أنزل لغير شهوة؛ كالذي يخرج منه المني أو المذي لمرض، أو حمل ثقيل، أو سقط من موضع عال، أو لهيجان شهوة من غير أن يمس ذكره بيد أو غيرها منه، أو من غيره، فلا فطر بذلك كله].

وأوضح: ومما يخرج من الفرج أيضا المذي، وهو: ماء رقيق يضرب إلى البياض يخرج من ذكر الرجل أو فرج الأنثى عند الملاعبة أو تذكر الجماع، وهو عند الأنثى أكثر وأغلب منه عند الرجل؛ قال العلامة الشرنبلالي المصري الحنفي في “مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح” : [مَذْيٌ بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسرها، وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند شهوة، لا بشهوة ولا دفق، ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، وهو أغلب في النساء من الرجال].

وذكر أنه اختلف الفقهاء فيما إذا كان خروج المذي يبطل الصوم ويجب بخروجه القضاء أم لا، وقال المفتي: «فيرى الحنفية والشافعية أن خروج المذي وإن كان عن قبلة أو لمس ليس من مبطلات الصيام؛ قال العلامة أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني الحنفي في “الأصل” المعروف بـ”المبسوط” (2/ 238): [قلت: أرأيت الصائم… قلت: فإن لمس حتى يمذي قال: لا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأن المذي ليس بشيء]، وقال العلامة القليوبي الشافعي في “حاشيتا قليوبي وعميرة”: [ولا يفطر بخروج المذي والودي خلافا للإمام أحمد] اهـ. أي: وإن كان الخروج عن قبلة أو لمس؛ حيث يرى الحنابلة أن المذي إذا نزل عن قبلة أو لمس أفسد الصوم، وإلا فلا؛ قال العلامة المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي في “الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف”: [إذا قبّل أو لمس فأمذى فسد صومه. هذا الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب].

ولفت إلى أن المالكية يرون أن الصائم إذا قبّل أو باشر أو فكر أو نظر فأمذى لشيء من ذلك وجب عليه القضاء سواء أدام أو لا؛ قال العلامة صالح بن عبد السميع الآبي الأزهري في “الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني” : [ومن التذّ في نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فأمذى لذلك؛ أي: للمباشرة أو القبلة، ومثلهما الفكر والنظر، فيجب القضاء بالمذي الناشئ عنهما؛ أدام أو لا].

وأفاد: وبناء على ذلك: فإذا كان ما وجدته المرأة من بللٍ في ملابسها ماءً رقيقًا أصفرَ فهو منيٌّ، وقد بطل صومها ووجب عليها القضاء، وذلك باتفاق الفقهاء، أما إذا كان البلل ماءً أبيضَ رقيقًا، فهو مذي لم يبطل به صومها على ما ذهب إليه فقهاء الحنفية والشافعية، ويستحب لها أن تعيده بعد انقضاء الشهر خروجًا من خلاف المالكية والحنابلة في ذلك


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.