الشاعرة جليلة خليفة تكتب .. ” تعلم الابجدية القديمة ضرورة وطنية “


0 126

متابعة – محمود الهندي
بعد قرار تعليم الهيروغليفية في مصر وإدخالها مناهج التعليم تصاعدت الأصوات بين مستنكرة، وبين أخرى محبذة للموضوع دون فهم كامل لحيثياته، ومدى مفاهيمه العميقة التي قد تفوق مسألة تطوير التعليم، وضرورة التحسيس بقيمة البلاد السياحية انطلاقا من تاريخها العتيق، الذي صنع منها بلدا عظيما سياحيا وأثريا في العالم أجمع .
فالأبجديات القديمة هي التي أوصلت إلينا عظمة بقاع معينة، ومدى تطورها ومحاولاتها التقدم علميا وليس فقط في مجال الحروب وحدها، التي كانت ضرورة أساسية بحكم قانون غاب لم يكن يسمح بالبقاء إلا للأقوى، دون اعتبار للقوانين الإنسانية في مجمل الأحوال .
لكن مسألة تدريس الهيروغليفية اليوم تذكر بانطلاق تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في المغرب منذ سنوات قبل تعميم تدريسها في كل المستويات، مباشرة بعد خطاب أجدير الملكي، الذي أطلق المبادرة كمنهج وطني يجعل من اللغة الأمازيغية لغة وطنية مثلها مثل اللغة العربية، إلى جانب اللغات الأجنبية الضرورية لاختراق عالم التحضر بكل مميزاته. فلم يعد بإمكان أي كان المتاجرة بالدفاع عن لغة البلاد الأصلية، لأنها أضحت لغة الجميع وملك الجميع، وهوية جميع المغاربة بحكم انتمائهم إلى وطن جذوره وفروعه متوحدة، في شجرة واحدة تظل الجميع بلا استثناء .
وهنا أتجاوز كل ما كتب وقيل عن مسألة تدريس الأبجدية الهيروغليفية، التي لولا حل شيفرتها على يد شامبليون، ما عرفنا الكثير من أسرار عظمة تاريخ ملوك أعطوا للعلوم حقها قدر استطاعتهم. وأورثوا أحفادهم ومن اختلطوا بهم دما وانتماء رباطا وثيقا يجمعهم، ويكون درعهم حين الأزمات وأثناء المحن .
وأؤكد على كل ما قيل فيها كمسألة حيوية للتعريف بهوية المواطن المصري، وقيمة تاريخه المادية والمعنوية، سواء في مجال إبهار البلاد سياحيا بحكم الحاجة إلى مداخيل السياحية أكثر من غيرها، للرفع من بنية البلاد تنمويا في كل المجالات، أو من جانب تطوير التعليم وتوسعة مفهوم تدريس مادة التاريخ عامة .
فالأمر أكثر من هذا وأعمق، لأن تعلم الطفل أبجديته القديمة سيرفع من قيمته التربوية، ويدخله منهج التعليم الوطني بكل آفاقه. وسيبعد الواعين من الطلبة مع الوقت عن أي مجال قد يضر بوطن أصبح يعرف عنه الكثير، وكيف وصل إليه بعد قرون عديدة، وكم عانى الكثيرون من أجداده وضحوا وربما قسوا أحيانا، ليوصلوا إليه بلدا يشار إليه اليوم عبر الآفاق .
فبغض النظر عن أبجدية قد يراها البعض مجرد حروف لغة ماتت، لا يجب نسيان أن اللغة العبرية قبل أن يحييها أصحابها كانت شبه ميتة، وأن الحروف العتيقة الصعبة في البداية، ستصبح مظلة الجميع ومطرقة تضرب لعنة التفرقة وتبيد عتمة الشتات، لأنها ستصبح لغة الجميع الأصلية بكل روافدهم. وعلى اختلاف جذورهم التي أصلا تمازجت منذ أزمان عديدة ولازالت بالمصاهرة والكد والسعاية والفداء، في انصهار كامل أعطاهم هوية واحدة تمزجهم أقوياء بالعالم أجمع، عن حب وتسامح عبر حوار يشع بالانفتاح على جميع الحضارات .
فالحضارة المصرية قد تتعب مؤقتا مثل كل الحضارات الأصيلة الشامخة، لكنها لا تموت أبدا مادام لديها من يوقف تمايلها بموازين العدل والحكمة والتشييد، وتملك بين بنيها وبناتها من يروي بذورها ويروي ملاحمها: وهي الهوية المصرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.