المغرب.. الدكتور منير القادري بودشيش يحاضر حول تجليات ثمرات العبادة على الفرد والمجتمع


0 56

عبد العزيز اغراز – المغرب

رئيس مؤسسة الملتقى، الدكتور منير القادري بودشيش، تناول خلال مشاركته السبت 3 أبريل الجاري في النسخة السابعة والأربعين من فعاليات ليالي الوصال الرقمية “ذكر وفكر في زمن كورونا “، التي نظمتها مشيخة الطريقة القادرية البودشيشية ومؤسسة الملتقى بشراكة مع مؤسسة الجمال موضوع : “تجليات ثمرات العبادة على الفرد والمجتمع”.

استهل مداخلته بتجلية مفهوم العبادة الذي يتلخص في الانقياد لأوامر الله تعالى ونواهيه، وفي الحكمة التي من أجلها خلق الانسان مصداقا لقوله تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون”(سورة الذاريات الآية 56).

وبين أن العبادة تشمل كل ما دل دليل شرعي على أنه يتعبد به لله، ويتقرب به إليه، موردا أمثلة للعبادات والطاعات التي لها أثرها على الفرد المسلم، في مقدمتها أركان الاسلام الخمسة، من التوحيد الذي هو المفتاح والشرط الأول لقبول العبادات، والصلاة باعتبارها الركن العظيم والأساس القويم، والناهي الزاجر عن المنكرات والمعاصي، إضافة الى الزكاة المطهرة والمزكية للقائم بها، والصيام الدافع إلى التقوى، والحج المفضي إلى الطهارة من الذنوب والسلامة من السيئات، مستشهدا بآيات من القرآن الكريم.

وأعقبها بذكر عبادات شرعية أخرى عظيمة، منها ذكر الله الذي “هو سبب لطمأنينة القلب وراحة النفس، والذي أمر الله بالقيام به في كل وقت وحال لقوله في وصف المومنين: “الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ” (سورة آل عمران الآية 191) ، ولما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على جميع أحايينه”.

كما خص بالذكر تلاوة القرآن التي “لا يخفى أجرها وثوابها، والتي هي سبب الخشوع والخضوع والتبتل لقوله سبحانه: “اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ”(الزمر الآية 23)”، كما تطرق الى الدعاء الذي “هو مخ العبادة وسبب رفع الهم والغم والبلاء وغير ذلك من الفوائد الكثيرة”، وفي ذات السياق أورد مقولة لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- “بأنّ العبادة اسمٌ جامعٌ لكلّ ما يحبه الله -تعالى- ويرضاه من القول و الفعل ظاهراً أم باطناً”.

وأكد رئيس مؤسسة الملتقى أن مفهوم العبادة ينصرف إلى كل ما يحبه ويرضاه الله من قول وفعل ظاهرا وباطنا، واستطرد موضحا أنها شاملة لحياة المسلم كلها مصداقا لقوله تعالى: “قُل إِنَّ صَلاتي وَنُسُكي وَمَحيايَ وَمَماتي لِلَّـهِ رَبِّ العالَمينَ”؛ (سورة الانعام الآية 162)، وأضاف أن كل ما يقوم به المسلم في حياته يجعله عبادة لربه، وأن هذا ما يعطي لحياته معنى وهدفا وغاية، وزاد أن العبادة هي الغاية من خلق الإنسان.

وأبرز مقاصد العبادة ، التي يتمثل أولها في أداء حق الله عز وجل، وأن يعرف الانسان نفسه فقيرا لا حول له ولا قوة إلا بربه ولا اعتماد إلا عليه ولا قيام له بذاته، فيتبع شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ويلتزم بأحكام الحلال والحرام، ولفت إلى أن ذلك يعد من أصول طريق التصوف المشيد بالكتاب والسنة كما جاء على لسان سهل بن عبد الله التستري: “أصول طريقتنا سبعة: التمسك بالكتاب والاقتداء بالسنة وأكل الحلال وكف الأذى وترك المعاصي والتوبة وأداء الحقوق”.

وأشار رئيس المركز الأورومتوسطي لدراسة الاسلام اليوم، الى أن من أهم ثمرات العبادة على الإطلاق أنها: “معراج سكينة فى وقت الفزع ويستشعر الإنسان فى أوقات الاضطراب والخوف أنه يركن ويحتمى بقيُّوم السموات والأرض”، مذكرا بأن النبي صلى الله عليه وسلم ، “كان إذا حَزَ به (أي: ألمَّ به) أمرٌ فزع إلى الصلاة، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ)، فما التوجيه الإلهي في مثل أوقات الضيق وانقباض الصدر؟ قال سبحانه بعدها مباشرة: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ)”.

وعدد ثمارا أخرى للعبادة، منها أنها تجدد معرفة الانسان بربه فيخرج بها من ضيق النفس إلى حرية الضمير، فيصبح صاحب أمل متجدد، موردا مقولة لذي النون المصري: “من نظر إلى سلطان الله ذهب سلطان نفسه”، وأيضا مقولة للإمام الشاطبي: “إن للعبادة مقصدا أصليا هو التوجه إلى الله المعبود وإفراده بالقصد إليه في كل حال، ويتبع ذلك قصد التعبد لنيل الدرجات في الآخرة…”.

وشدد عل أن استقامة الاخلاق ثَمَرةٌ لازِمَة للعبادة الحَقَةِ ، لقوله تعالى:”يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (سورة البقرة الآية 21)، وأن أثرها يعم سائر الناس والمخلوقات وتنصلح بها أحوال البلاد والعباد، لقوله تعالى: “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ “(الرعد:11)، منبها الى أن الظلم وتضييع الأمانة وإهدار الحقوق هي معالم خراب وهزيمة، للأمم والمجتمعات، مذكرا بمقولة ابن خلدون في مقدمته “الظلم مؤْذِنٌ بخراب العمران”.

وأكد أن هذه المقاصد هي الأساس في بناء الانسان الراقي المسهم في بناء الحضارة الأخلاقية، إنسان متوجه دائما لتمام الإحسان في الطاعة، وإتقان أركانها، مع الحرص على إخلاصها لله تعالى، وأضاف أنه باستحضارها تتحول العبادة من مجرد شعائر إلى منهج وسلوك حياة، قوامه الاتقان والاخلاص والاستمرار والحذر من الخلل والانقطاع في كل شأن من شؤون الحياة وأهدافها مع الارتفاع عن الذاتية والأنانية.

وأكد في هذا السياق على أهمية صحبة الصالحين اهتداء بقوله تعالى: “َياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ”، مبينا ما لهذه الصحبة من أثر في التحقق بالعبادة الحقة، لأن المرء على دين خليله كما في الحديث، ولأن التشبه بالكرام فلاح.

واختتم مداخلته بالتذكير بأن التصوف كان ولا يزال من أهم ثوابت الأمة المغربية، وأحد ركائزها الروحية، وأن إحياء ذكرى رجالاته والكتابة عنهم وتخليد سيرتهم يزيد في ترسيخ البعد الروحي في وجدان المغاربة، ويحمل رسالة إلى الأجيال القادمة للتأسي بهم وبمناقبهم وعلمهم وعملهم.


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.