مذكرات طبيب طوارئ.. الحلقة الثالثة

0 105

منى ….. الصدمة الاولي !!
استقبال قسم الاطفال
مستشفى سوهاج الجامعى
ابريل 2005

بقلم الاستاذ،الدكتور/ احمد مختار ابو دهب

متابعة خالد مسلم
رئيس قسم التحقيقات

بضعة اسابيع مرت على بداية حياتى العملية كطبيب تدريب بمستشفى سوهاج الجامعى بعد تخرج دفعتنا ….كانت بداية ملتهبة من حظي …. حيث ان طبيب الامتياز يتوزع عامه التدريبي على مدار عام كامل بواقع شهرين فى الاقسام الرئيسية (باطنة – اطفال – جراحة – نساء و توليد …… ) كانت بداية مجموعتى فى قسم الاطفال , ….و يا لها من بداية !!
لقد كنت على مدي حياتى من الشخصيات التى تظل اسابيع او شهور , تدمع اعينها كلما شاهدت حالة انسانية لطفل مريض فى التلفزيون , خاصة البرامج الرمضانية التى تتعمد العزف الحزين على هذا الوتر ايا كان الهدف ….فها انا ذا فى قلب الحدث …..يا سلاااام , هـــم و الـــم يعتصر قلبى مع كل مرور و يتزايد يوما بعد يوم !!!
لم يكن هذا اليوم نبطشيتي …… و لكن لان ابن عمتى سيستقبل مولوده فى هذا اليوم , فقلت (اضرب عصفورين بحجر) منها اكون معاه بالمستشفى …و منها اخد النبطشية …..و كما يقول المثل المصري (نشنت يا ناصح !!! )
كانت نبطشية باستقبال قسم الاطفال و ليس بقسم الاطفال …و كلاهما متجاورين …..قبيل الشروق دخلت الغرفة سيدة كبيرة فى السن تحمل طفلة فى حدود الثامنة من العمر ….. قلت لها : تفضلي يا امي , حطيها عالسرير !!
دي بنتك , اسمها ايه ؟؟

– قالت : لا بنت اخويا , (منى) , امها ولدت من كام يوم , عشان كده انا قاعده معاها هنا يا ولدي .
كان اسمها وحده كفيلا ان يبعث فى نفسي شجون , فقد ذكرتني بابنة عمى الصغيرة التى توفيت طفلة منذ عقود و لم اراها طبعا , و كان ابي – رحمه الله – يبكى عليها كلما تذكرها رغم وفاتها عام 1968..كان يبكي كلما تذكر ذعرها من اصوات طلعة طيران يوم نكسة 67 , جعلتها تجري امام المنزل و تصطدم بعمود انارة , …فكان تقول له فى براءه : الطيارة خبطتنى فى راسي يا عمو !!!
………….. نفضت لمحة تلك الذكريات سريعا , و عدت الى ( منى ) المتمددة امامى على سرير الفحص , ابتسمت و سألتها : اسمك ايه يا امورة ؟؟
ردت السيدة المرافقة لها : ….. اصلها مش بتتكلم يا ولدي !!
شعرت بغصة الم فى حلقي …. و اخفيت شعوري …….
ابتسمت له مرة اخري , و مدت لها يدي قائلا : سلمى عليه
ردت السيدة : ……اصلها مش بتحرك ايدها !!

شعرت ان رد السيدة كأنه نزل على جسدي كبرميل من الثلج في ليلة شتوية !!
سألتها بصعوبه محاولا اخفاء حزنى عليها : طيب حضرتك جبتيها هنا الاستقبال ليه , ايه شكوتها ؟؟
قالت : يا ولدي الممرضة قالت لنا روحوا الاوضه عشان تاخد علاجها !!
ناديت الممرضة , و عرفت انها من حالات القسم و ليس الاستقبال و ان السيدة احضرتها الى حيث انا من قببيل الخطا ,,,,او الصدفة ….او ربما لحظي العاثر !!!
ارادت السيدة ان تحملها مرة اخري , فقلت لها : طيب يا حجة تقيلة عليكي ……..
قبل ان تكتمل جملتى , قالت السيدة فى حزن : …اصلها مش بتمشي يا ولدي !!!

و هنا …… انهارت كل مقاومتى كطبيب شاب عمره فى هذه المهنه بضعة اسابيع فقط ……خرجت من الغرفة فور خروجهم , و توجهت الى اقرب نافذة حيث لا يرانى احد …..و انتابتنى نوبة من البكاء الشديد , بدموع تحفر في ذاكرتى الطبية اولى الصدمات المهنية !!!!

عدت الى منزلنا فى حالة من الالم و الحزن يرثى لها , لقد كان ذاك الشبه بين (منى) و اختى الصغيره , بالاضافة الى حالتها طبعا يمثل لى الاف الطعنات كلما تذكرت الموقف !!!
…..كان امامى حل من اثنين …اما ان احاول ان انسى الموقف , أو ان اتواصل مع منى و اتابع حالتها على قدر استطاعتي …..و لقد اخترت الحل الثاني لا شهامة منى و لا بطولة ….و لكنه الاقرب للنفس البشرية و طبيعة المهنة التى كانت (منى) من اولى الخطوات فيها !!!
توالت الايام ….و انا ازور منى …تبتسم حين تراني , نخرجها فى شرفة عنبرها على كرسي متحرك لترى الشمس …..لا انسى نظرتها الحزينة و يدها اليسري الصغيرة التى تضعها على خدها فى حزن و صمت …..و امها تقول لها في حنان و حزن : بلاش البصة دي يا منى !!!
كانت نظرتها الحزينة البريئة تضيف علينا مزيد من الالم و الحزن …..كما تضيفه لي تفاصيل حالتها و جلطات مخها المتعددة اثر مرض روماتيزمي فى قلبها الصغير …ادي الى هذه الحالة .
و فى اليوم المحدد , ذهبت الى القسم , فوجدت سرير منى فارغا ….سألت عليها , فعرفت انها قد لاقت ربها , فقد اختار لها فردوسا و نعيما و تركتنا فى معترك هذه الحياة القاسية ….. ذرفت عيناي عليها رغم شعوري ببعض الراحة لانتهاء محنتها و الامها و انها الان بين يدي رب رحيم بلا عذاب او الم …..عدت الى المنزل , سألتنى والدتى : ايه اخبار منى !؟
ابتسمت فى شحوب و قلت لها …… منى خفت خلاص !!!
و دخلت الى غرفتى , حيث توالت دموعي عليها ……و التى ما زالت تتلاحق لذكراها الى حين كتابة هذه السطور !!!

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...