رافض وضع طعامه فى دولابه


0 59


بقلم الكاتبة الروائية / غادة العليمى
اشم رائحة الجنون فى كل مكان .. انه عصر نزع من الكثيرين قدرتهم على التوازن والادارك بعدما ضاعت معايير المنطق وانماط الحكم الصحيح على كل الامور
تماما كما تعود من عملك منهك متعب تفتش عما تسد به جوعك
فتجد طعامك فى دولاب ملابس وملابسك على منضدة طعامك
واظن ان هذا الارهاق وتلك الجوع لن يسمح لك بالترتيب او التصحيح وستخرج طعام تتناوله من دولابك وتبدل الثياب من مبرد الطعام لترتديها
وحين تريد الخلود الى النوم لن يزعجك كثيرا هذه الاقلام والدفاتر والكتب الملقاه على تسريحة غرفتك وهذه الامشاط والعطور المصفوفه فى مكتبتك و ماكينة الحلاقة خاصتك او ادوات الزينة خاصتها الموضوعة على سطح مكتبك
سيحميك ارهاقك من التوتر الطبيعى امام البعثرة وستمنعك عصافير معدتك من الغضب والاضطراب وستنام ليلتك خالى من اى مشاعر حتى تستيقظ على رنة فونك الذى يوقظك لان ميعاد الاقلاع فى ماراثون الجرى على لقمة العيش قد بدأ فتستيقظ وتحمل اغراضك وتمضى مسرعا لتعود من جديد منهك متعب جائع فتجد فراشك معد بعناية مكان طاولة فراشك وفراشك امام دولابك فتجد امامك امرين وفوضتان وتغيران غبيان وعبئ اكبر من عبئ الامس وانهاك فى قوتك اقوى من إنهاك الامس
فلا تستطيع فعل شئ حيال ذلك الا ان تؤجل التنظيم الى يوم عطلتك
ويمضى كل يوم جديد بتغيير وفوضى جديدة الى ان يأتى عطلة الاسبوع فتجد الامر يحتاج اسبوع اخر لاصلاح ما افسدته الفوضي الغير مبرره فى بيتك الذى اعتدت على فوضته
وقد تؤجل الاصلاح طلبا للراحة من مطحنة الاسبوع وقد تعمل على تغيير وضعيه النوم لانها الاهم والابقى وقد تحارب لاعادة كل شئ لوضعيته الطبيعيه رغم شدة الفوضى وقلة الوقت والجهد
لكن فى كل الاحوال لن تستطيع فركب التغيير والفوضى اعلى واسرع بكثير من قدرتك
وبعد قليل تألف الامر وتستمر الحياة
وتضع بنفسك طعامك فى دولابك وملابسك فى البراد
ولن تظن ابدا انك مجنون
انت فقط شخص يتأقلم مع بيته بنظامه الجديد شخص مرهق ليس لديه الوقت والجهد لمحاربة الفوضى فأخذ يجملها ويكملها .. هذه هى حياتنا باتت على هذه الارض وفى هذا الزمن على هذه الشاكله
الكل يصنع الفوضي حولنا ويستغل ارهاقنا ليعجزنا ونحن بالفعل عاجزين عن التصدى او التغيير
يتغذى المنتفعين على قيمنا فيوهمونا انها مثل اشياء باليه توضع على الرف وما نحتاج استخدامه لنحيا وننجح واسطه ومحسوبيه وهدايا عينيه وماديه لاولى الامر .. ولاشئ اخر
يخبرونا اصحاب الخبرات ان الحب والمشاعر ليست من متطلبات الزواج فالضمانه الحاليه للارتباط مادية شهوانيه ولا شئ اخر
ينصحونا الناصحون ان الخير والشر والثواب والعقاب والايمان والعصيان امور دينية للحديث عنها فقط
اما الحقيقة فالطوفان القادم يستلزم ان تضع ابنك تحت رجليك لتنجو وتقول للكلب يا سيدى لتقضى حاجتك منه وهذا ليس ذل او نذاله وانما شطاره ومهاره
تتوارى البرامج التوعويه والثقافية والاخبارية خلف تسليط الضوء على توجهات السوشال ميديا وزمرة من مراهقى الفكر معدومى المسئولية توجه مؤسساتنا الثقافية لما تصنع وما لا تصنع وتطيعها بحد الاكراه المسمى مواكبة الرأى العام الوهمى لعوام وعوالم خفيه
لا احد يتوقف ويصلح وينصح ويغير وانما الكل يواكب مرغم موجه من العبث الذى طال كل الامور فى كل اتجاه ولا امل لأحد اذا وقف امام الموجه العاتيه للعبث فى النجاه
واظنه آن الاوان لنصنع مركب نوح ونجمع فيها كل العقلاء على هذه الارض ليشقوا امواج الفوضى ويتصدوا لطوفان العبث و الجنون ، ان الآوان ان تظهر وتبان وعليك الآمان يا كل عاقل متزن رافض وضع طعامه فى دولابه
مُصر على التغيير والتصحيح ، ولكن اين انت اخبرنى بالله عليك
فالموجة الجديدة القادمه ان لم تساعدنى وتعتلى مركب نوح معى ستسقطنا فى قاع العالم ونموت معترضين لاننا لم نتصدى ولم نفرض واكتفينا بالمواكبة والتواؤم مع الجنون


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.