عمرو الفقي يكتب الجزء الثالث من رواية ” انتصار” في الحباية (11) من ” دماغ استروكس “

0 237
سقط قلبها بين قدميها ، و قالت مستنكرة قوله ” عايزني في إيه يا معلم ؟ ” قالتها وهي تتراجع خطوات للخلف وممسكة بيد بالطفلتين وبالأخرى بطرحتها المسدلة على صدرها….
استدار المعلم وجلس على الأريكة البلدية التي تعد غرفة الاستقبال في ذلك البيت العتيق ، ثم قال مستندا بعصاه على الأرضية غير المستوية، تلك العصا الزان المطعمة بالأبانوس والفضة والمنتهية بمقبض عاجي ” ، رافعا عينيه نحوها في نظرة حادة مصوبة نحو عينيها لا نحو جسدها المتعرق المنتفض كعصفور بلله المطر ، ليقول لها ” خشي الأول أستري نفسك وحطي للعيال تتعشى ، واعملي لي كوباية الشاي اللي بحبها من إيديكي ، وليكي انتي كمان ، عايز أشربها معاكي ” ثم أطرق ببصره نحو الأرض ……
انصرفت انتصار مسرعة من أمامه ، ونفذت تعليماته كما أمرها حرفيا ، ورغم ذلك الاطمئنان النسبي الذي بدأ يتسرب رويدا رويدا ليروي قلبها الذي كاد أن ينفطر هلعا منذ دقائق ، نامت الطفلتان فور تناولهما العشاء البسيط و شعورهما بالأمان لعودتها…
عادت انتصار للمعلم فوجدته كما تركته على حاله ، لم تتغير جلسته ، وضعت أمامه ” صينية بلاستيكية ” استقر فوقها كوبان من الشاي غير متماثلين ، جلست انتصار على الكرسي الخشبي عند باب الغرفة الوحيدة في بيتها متوجه نحو المعلم و قائلة له في لهجة تحمل الكثير من علامات الاستفهام و الحيرة ” خير يا معلم ، فهمنا بقى إيه العبارة ، عشان أنا خلاص عقلي شت ”
رفع المعلم رأسه نحوها قائلا ” بقى يا ستي انتي عارفة إني ما طلعت من الدنيا دي غير ” بحمادة ” ابني ، وكان نفسي يبقى الزرع الطيبة ، والولد الصالح اللي يبقى عكازي وأنا حي ، و لسان يدعي لي بعد ما أموت …..” قاطعته انتصار قائلة ” ألف بعيد الشر عنك يا معلم وتعيش وتفرح به و تشيل ولاد ولاده كمان ” …
بادرها المعلم قائلا :-
– ” ما هو ده اللي أنا قصدك فيه ! ”
تعجبت انتصار قائلة :-
-” قاصدني فيه ؟ مش فاهمة يا معلم إيه دخلي بالموضوع؟ ”
فأجاب قائلا :-
– ” يا انتصار افهميني ، عايز فرحتي بحمادة تكون على إيدك إنتي ! ”
ضحكت انتصار قائلة :-
-” يا معلم أنا يدوبك أنظف بيت أنفض سجادتين أقوم بشوية مواعين ، مانيش خاطبة ، وحتى لو اعرف حد ، هيبقى زي حالاتي غلابة يعني ، ما يليقوش ب ” سي حمادة ” ولا بيكم ”
نظر المعلم نحو انتصار قائلا في لهجة غريبة تحمل الكثير من الصرامة و ” فشخرة ” الأغنياء :-
– ” ومين قالك إني عايزك تدوري له على عروسة ، أنا لو كنت عايز أي عروسة لحمادة كنت هجوزه أحلى عروسة فيكي يا بلد ، ومن أكبر عيلة ، بس أنا مش عايز أي واحدة لحمادة ، أنا عايزك أنتي ليه …. ”
عقدت المفاجأة لسان انتصار ، فما تسمعه آخر ما يمكن توقعه ، فهي لا تفكر في مبدأ الزواج من الأساس ، ثم من هذا الذي يمكنه شغل مكان ” المرحوم ” في فراشها أو قلبها ، ثم وإن حدث وفكرت و اختارت أسيكون ذلك ” الذكر الأنثوي ” هو ” راجلها ” ؟ ، ولكن مهلا ….” أيعقل أن تكون فرحة المعلم بوحيده المدلل هي الزواج من أرملة بطفلتين ، بل ” وشغالة في البيوت ؟ ” تردد هذا السؤال بين تلافيف عقلها ، حتى قطع مونولوجها قول المعلم :-
– ” قولتي إيه يا انتصار ، موافقة على جوازك من ابني ، ولا ما ينفعش ؟ ”
لهجته تحمل في طياتها الكثير من التنمر المغلف بحنو كاذب ، و أبوة مصطنعة ، تعثرت الكلمات على شفتيها البيضاواتين ، وقالت ” بس يا معلم انت عارف أنا من يوم ما مات المرحوم ، وأنا رهنت عمري كله لبناتي ، وحرمت أني أدخل غريب عليهم أو عليا و……”
وقاطعها المعلم قائلا ” بناتك بناتي يا انتصار ، وانتي وحمادة غلاوتكم عندي واحدة ، وبعدين هو انتي فاكرة إن حتة البيت المهكع ده اللي أبوكي سابه ليكي هيسندك ولا هيحميكي انتي وبناتك ، ده بكام ألف ملطوش في إيد بتاع الحي هيطلع الصبح قرار الهد وهتبقي في الشارع انتي وضناكي ، وما تنسيش يا انتصار إنه لولا الست حلاوتهم و كلامها عليكي مع نسوان الحتة عشان يشغلوكي عندهم ، كنتي موتي من الجوع انتي و بناتك ، فكري يا انتصار في مصلحتك انتي والبنات ، والحي أبقى من الميت ….”
أنهى المعلم حديثه وهب واقفا ، دون أن ينتظر ردا من انتصار التي كانت تعي جيدا ما ألقاه المعلم من تهديدات وسط كلامه المعسول ، ألقى المعلم طرف عباءته الصوفية الفضفاضة على كتفه قائلا ” يلا يدوبك ألحق الفجر جماعة ، وخشي انتي نامي وخدي بناتك في حضنك ” قالها مديرا ظهره إليها ، وممسكا ببابها الخشبي قائلا ” صحيح يا انتصار ابقي خلي بالك من الباب البايش ده ، ده لا يستر من برد ….ولا يحمي من حد ….ده يدوبك يترد…..”
وبمجرد خروجه من الباب ، ألقت بجسدها كله على الباب لتغلقه خلفه وقد انهارت قواها ، وفارت دموعها حارة تغرق وجنتيها قائلة ” أنت فين يا محمد ، الديابة هتنهش مراتك وبناتك ، سيبتني ليه لوحدي في الدنيا ، اعمل إيه يارب …ده أنا غلبانة وماليش حد……..” فانطلق صوت الشيخ “جابر ” من جامع ” الحاجة خضرة ” يعلن أذان الفجر ……
والقصة بقية في الجزء الثالث من رواية ” انتصار “……
قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...